مصالحة مع النفس والضمير… ومساءلة أمام المسؤولية الوطنية
ثمة لحظات في حياة الشعوب والقوى السياسية لا يعود فيها الصمت حكمة، ولا تصبح فيها المكابرة دليلًا على الثبات، بل يتحول الاعتراف بالحقيقة إلى فعل من أفعال المسؤولية الوطنية.
ولعلنا، نحن القوى السياسية الإرترية المنخرطة في مقاومة نظام أسياس أفورقي والساعية إلى التغيير الديمقراطي، بحاجة اليوم إلى مثل هذه اللحظة؛ لحظة نتصالح فيها مع أنفسنا، ونريح ضمائرنا من عبء التبرير المستمر، ولكن من دون أن نعفي أنفسنا من المسؤولية.
وأبدأ بنفسي قبل غيري، وبالموقع السياسي الذي أنتمي إليه قبل أن أنظر إلى مواقع الآخرين.
نعم، ينبغي أن نعترف بأننا أخفقنا حتى الآن في إدارة مرحلة التغيير الديمقراطي في إرتريا.
ولا يعني هذا الاعتراف أننا فشلنا في النضال، أو أن تضحيات آلاف الإرتريين ذهبت سدى، أو أن مقاومتنا للاستبداد كانت بلا قيمة. كما لا يعني أن المسؤولية عن المأساة الإرترية تقع علينا بدلًا من النظام الذي أنتج الاستبداد وأغلق المجال السياسي وعطّل المؤسسات والدستور.
إنما يعني شيئاً أكثر تحديداً وأشد إيلاماً: أننا، بوصفنا قوى سياسية يفترض أنها تحمل مشروع البديل، لم ننجح حتى الآن في إدارة المرحلة التي تسبق البديل.
وهنا تحديداً ينبغي أن تبدأ المراجعة.
نعم! لقد أخطأنا أولًا في تعريف المرحلة
لعل أصل كثير من إخفاقاتنا أننا لم نميز بالوضوح الكافي بين مرحلة التغيير ومرحلة ما بعد التغيير.
فلكل مرحلة أسئلتها، وأدواتها، وأولوياتها، ومؤسساتها، وحتى طبيعة شرعيتها السياسية.
مرحلة التغيير ليست هي مرحلة التنافس على حكم الدولة... وليست هي المرحلة التي ينبغي أن تتسابق فيها الأحزاب والتنظيمات على تقديم برامجها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية التفصيلية، أو إثبات تفوق رؤاها الفكرية على بعضها البعض.
إنها، في جوهرها، مرحلة وطنية انتقالية تسبق ذلك كله، ومهمتها الأساسية هي إنهاء الاستبداد، حماية الدولة من الفراغ والانهيار، وفتح المجال أمام الشعب الإرتري ليختار بحرية شكل الحكم والقوى والبرامج التي يريدها.
أما التنافس الحزبي والبرامجي الطبيعي، فمكانه الحقيقي يبدأ عندما توجد دولة قانون، ودستور، وحريات عامة، ومجال سياسي مفتوح، وإعلام حر، وناخب إرتري يستطيع أن يسمع الجميع ويحاسب الجميع ويختار بينهم.
والمفارقة أننا حملنا معنا أدوات المرحلة الثانية إلى المرحلة الأولى - وبدأنا نتنافس قبل أن يوجد ميدان شرعي للتنافس، واختلفنا على إدارة دولة لم نصل بعد إلى مرحلة إعادة بنائها، وتصرف بعضنا أحياناً بعقلية أحزاب تتنافس على السلطة بينما نحن جميعاً قوى سياسية تعمل من خارج الوطن في ظل دولة مغلقة لا تسمح أصلًا بأي نشاط سياسي مستقل... وبذلك استبقنا معركة السلطة، وتأخرنا عن بناء قوة التغيير.
نعم فلنعترف! لقد حوّلنا التعدد من ح ق للمستقبل إلى عب ء على الحاضر
التعدد السياسي في ذاته ليس عيباً - بل سيكون، في إرتريا الديمقراطية التي ننشدها، حقاً أصيلًا يجب الدفاع عنه.
من حق الإرتريين مستقبلًا أن يؤسسوا أحزاباً متعددة، وأن يتنافس اليمين واليسار والوسط، الجبهة والتنظيم والحركة والحزب، وأن تختلف البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن تتشكل الحكومات والمعارضة عبر صناديق الاقتراع.
لكن السؤال الذي لم نواجهه بالقدر الكافي هو:
هل كل ما هو مشروع في مرحلة الديمقراطية يصبح بالضرورة مفيداً في مرحلة صناعة الديمقراطية؟
هنا تكمن المشكلة - - لقد تحول تعددنا، في ظروف المقاومة والمنفى، من تعبير طبيعي عن التنوع السياسي إلى تعدد في مراكز القرار، وتعدد في القيادات، وتعدد في المؤسسات، وتعدد في العلاقات الخارجية، وتعدد الإعلام وفي الخطاب، بل وأحياناً إلى تنافس على العضوية والتمثيل والشرعية السياسية.
وبدلًا من أن نجمع طاقاتنا المحدودة في مؤسسة وطنية واحدة قادرة على إدارة الصراع السياسي مع النظام، وزعناها بين تنظيمات وجبهات وأحزاب ومنتظمات، لكل منها برنامجها، وقيادتها، ومؤسساتها، وحساباتها.
فأصبح لدينا، في حالات كثيرة، تنظيمات أكثر من المؤسسات الفاعلة، وبرامج أكثر من القدرة على تنفيذها، وقيادات أكثر من القرار الوطني الموحد.
نعم.. لما لا- فلنعترف! وجدتنا وقد مارسنا التنافس على سلطة غير موجودة بين أيدينا
وهذه ربما إحدى أكثر الحقائق التي ينبغي أن نقولها لأنفسنا بصراحة.
فلا أدري على ماذا كنا نتنافس!؟
نحن خارج الوطن... لا توجد انتخابات نتنافس فيها... ولا برلمان حر ندخله... ولا حكومة ديمقراطية نتداول عليها... ولا فضاء سياسي داخلي مفتوح نستقطب فيه الناخبين.
فلماذا استنزفنا جانباً كبيراً من طاقتنا في صراعات البرامج والأسماء والمواقع والتمثيل والأحجام التنظيمية؟
لقد تصرفنا أحياناً كما لو أن السؤال المطروح هو: من سيحكم إرتريا؟
بينما السؤال الذي كان ينبغي أن يجمعنا هو:
كيف نصل جميعاً بالشعب والدولة إلى اللحظة التي يصبح فيها من حق الإرتريين أنفسهم أن يقرروا من يحكمهم؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين عقلية التنافس على السلطة وعقلية إدارة مرحلة التغيير.
نعم فلنعترف! لا أحد منا يستطيع إنجاز التغيير منفرداً
بعد كل هذه السنوات، ثمة حقيقة ينبغي ألا تكون موضع جدل: لا يوجد اليوم تنظيم إرتري واحد، ولا حزب واحد، ولا جبهة واحدة، تستطيع منفردة إنجاز التغيير الديمقراطي وإدارة استحقاقاته الوطنية الكبرى.
وهذه ليست إدانة لأي تنظيم، بل توصيف لموازين القوى والواقع.
وإذا كان أي طرف يعتقد أنه يستطيع منفرداً إسقاط النظام، وملء الفراغ، وتأمين البلاد، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وإدارة المرحلة الانتقالية، وإعادة اللاجئين، وطمأنة المجتمع، وإدارة العلاقات الإقليمية والدولية، ثم بناء النظام الدستوري الجديد، فعليه أن يضع أمام الشعب الإرتري القدرة الواقعية التي تمكنه من ذلك.
فالبديل الوطني لا يصنعه الادعاء، وإنما القدرة - والواقع يقول إن قدراتنا موزعة بيننا.
لكل طرف رصيد وتجربة وكفاءات وعلاقات وامتدادات ونقاط قوة، ولكن لا أحد يملك بمفرده ما يكفي لإدارة عملية تغيير وطنية بهذا الحجم.
ومن هنا فإن وحدتنا في مرحلة التغيير ليست فضيلة أخلاقية فحسب، وإنما ضرورة وظيفية تفرضها طبيعة المهمة نفسها.
ولنعي ولنعترف بأنّ طبيعة النظام تجعل البديل الجماعي ضرورة لا خياراً
هناك سبب آخر أكثر خطورة - فنحن لا نواجه نظاماً حزبياً تقليدياً يمكن أن يخسر الانتخابات فتنتقل السلطة منه بصورة طبيعية إلى حزب آخر.
نحن أمام منظومة حكم ارتبط فيها القرار السياسي والأمني والعسكري، بدرجات كبيرة، بمركزية شديدة حول رأس النظام، بينما أُضعفت المؤسسات الدستورية وآليات التداول والمساءلة.
ولهذا فإن لحظة التغيير، أياً كانت الكيفية التي تأتي بها، قد لا تطرح فقط سؤال: من هو البديل السياسي؟ بل قد تطرح سؤالًا أخطر: من يحمي الدولة في اليوم
التالي؟ .... وما أدراكم ما اليوم التالي!...
وهنا تصبح تجزئة المعارضة أو المقاومة خطراً يتجاوز ضعف قدرتها على تغيير النظام، ليصل إلى ضعف قدرتها على منع الفراغ بعده.
فكما لا يستطيع تنظيم واحد إنجاز التغيير منفرداً، فمن غير الواقعي أيضاً افتراض أن تنظيماً واحداً يستطيع ببساطة أن يحل محل النظام منفرداً... وإرتريا بعد أفورقي لا تحتاج إلى نظام أحادي جديد يحل محل النظام الأحادي القديم.
إنها تحتاج إلى ترتيب وطني جامع يحمي الدولة، ويدير الانتقال، ثم يعيد السلطة إلى صاحبها الحقيقي: الشعب الإرتري.
لذلك علينا أن نؤجل برامجنا… لا أن نلغيها
ومن هنا أصل إلى ما أراه أحد المخارج الضرورية: علينا أن نتوافق على تأجيل برامجنا السياسية الحزبية والتنظيمية إلى مرحلة التنافس الديمقراطي... وأتعمد هنا استخدام كلمة التأجيل، لا التجميد، فالتجميد يوحي بتعطيل التنظيم وإلغاء هويته ووقف حياته الداخلية، أما التأجيل الذي أدعو إليه فهو قرار سياسي واع بأن يقول كل تنظيم:
هذا برنامجي، وهذه رؤيتي، وهذه هويتي السياسية، وأنا لا أتنازل عنها؛ ولكنني أقر بأن هذه ليست اللحظة التاريخية المناسبة للتنافس عليها، وأن الأولوية الآن لمشروع وطني أعلى يجمعنا جميعاً حتى نفتح المجال الذي يسمح لي ولغيري بالتنافس الديمقراطي لاحقاً.
وهكذا لا نطلب من أحد أن يمحو تاريخه، أو يحل تنظيمه، أو يتخلى عن قناعاته - بل نطلب من الجميع تأجيل التنافس عليها.
نحتفظ بحق الاختلاف للمستقبل، ونوحد واجبنا في الحاضر.
وما الذي سنخسره فعلًا إذا أجّلنا برامجنا؟
وهنا يحق لنا أن نطرح على أنفسنا، وبقدر كبير من الصراحة، سؤالًا ربما تأخر كثيراً:
ما الضرر الحقيقي الذي يمكن أن يلحق بأي تنظيم أو حزب سياسي إرتري إذا قرر، في هذه المرحلة تحديداً، أن يؤجل برنامجه التنافسي لصالح برنامج وطني جامع لإدارة التغيير؟
ما الذي سيخسره فعلياً؟ - هل سيخسر سلطة يمارسها الآن؟ - هل سيفقد حكومة يديرها؟ - هل سيغادر برلماناً يشغل فيه مقاعد؟ هل سيتنازل عن أغلبية انتخابية منحها له الشعب الإرتري؟
الحقيقة أننا جميعاً نعرف الإجابة.
لا توجد في هذه المرحلة سلطة ديمقراطية نتنافس عليها، ولا انتخابات حرة نخشى خسارتها، ولا مؤسسات حكم نتقاسم إدارتها. ولذلك فإن البرامج السياسية التي نحملها اليوم، مهما بلغت قيمتها الفكرية، إنما هي في أصلها برامج معدّة لإدارة الدولة إذا أتيحت لها مستقبلًا فرصة التنافس الحر ونالت ثقة الشعب عبر صناديق الاقتراع.
فلماذا نجعل من برامج مرحلة الحكم عائقاً أمام إنجاز مرحلة الوصول إلى الحكم الديمقراطي نفسه؟
بل ينبغي أن نذهب أبعد من ذلك، وأن يسأل كل تنظيم وحزب نفسه بصدق:
ما الإنجاز النوعي الذي حققناه منفردين طوال السنوات الماضية ويمكن أن نقول إنه غيّر ميزان الصراع لمصلحة التغيير؟ ما الذي استطاع هذا التنظيم أو ذاك أن ينجزه منفرداً وكان من شأنه أن يشكل تهديداً حقيقياً لاستمرار النظام؟
وما القدرة التي أثبتها أي منا، بمعزل عن الآخرين، بحيث يصبح الحفاظ على استقلال برنامجه وأدواته ومؤسساته في مرحلة التغيير أهم من بناء القوة الوطنية المشتركة؟
هذه ليست أسئلة للتقليل من تضحيات التنظيمات، ولا لنفي جهودها السياسية والإعلامية والدبلوماسية والحقوقية والتنظيمية، وإنما هي أسئلة لقياس حصيلة العمل المنفرد قياساً بحجم المهمة الوطنية.
فقد تكون لكل تنظيم إنجازاته الجزئية، وعلاقاته، وكوادره، وخبراته، لكن السؤال ليس عما أنجزناه داخل حدود تنظيماتنا، بل عما إذا كان مجموع ما أنجزناه منفردين قد قرّب إرتريا فعلياً من لحظة التغيير بالقدر الذي يبرر استمرارنا بالطريقة نفسها.
وبعد سنوات طويلة من التجربة، يصعب القول إن استمرار كل طرف ببرنامجه ومؤسساته وقراره المنفصل قد صنع القوة الوطنية القادرة على فرض التحول الديمقراطي.
وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي نخشى فقدانه إذا أعدنا ترتيب أولوياتنا؟
ثم إن هناك حقيقة أخرى ينبغي ألا نهرب منها: مساحات الاختلاف بين معظم البرامج السياسية الإرترية المعارضة أقل بكثير من الصورة التي صنعها تعدد التنظيمات حولها.
فمعظمها، في خطوطها الكبرى، تتحدث عن دولة القانون، والدستور، والمواطنة، والعدالة، والتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، واحترام الحقوق والحريات، والتنمية المتوازنة، والعلاقات الخارجية القائمة على المصالح الوطنية.
وقد تختلف التفاصيل والمرجعيات ووسائل التطبيق، وهذا طبيعي ومشروع، ولكن هذه الخلافات مكانها الحقيقي هو مرحلة التنافس الديمقراطي داخل الوطن، حين يصبح الشعب هو الحكم بين البرامج.
أما الآن، فإننا نبدو أحياناً وكأننا نخوض تنافساً حاداً بين برامج تختلف في التفاصيل، بينما نتفق في الأساس على الهدف الأكبر:
إنهاء الاستبداد وإقامة دولة دستورية ديمقراطية.
ولهذا فإنّ تأجيل البرامج لا يسلب أحداً حقاً، ولا يمحو هوية أحد، ولا يمنح طرفاً انتصاراً على طرف.
بل على العكس، هو يحرر كل تنظيم من عبء الدفاع المبكر عن مشروع لم يحن وقت اختباره، ويضع طاقاته في المهمة التي لا يستطيع أي منا إنجازها منفرداً.
ولا أعتقد أن تنظيماً وطنياً حقيقياً يمكن أن يعتبر نفسه متضرراً إذا كان ما يؤجله مؤقتاً يحقق مصلحة وطنية عامة أكبر، خصوصاً إذا كان هذا التأجيل متفقاً عليه، ومحدداً بمرحلة واضحة، وتنتهي صلاحيته فور قيام المجال الديمقراطي الذي يسمح للجميع بالعودة إلى برامجهم والتنافس عليها أمام الشعب.
فالبرنامج السياسي ل ا يكتسب شرعيته النهائية ل أنه مكتوب في وثيقة تنظيمية، وإنما حين يعرض على المواطنين بحرية، ويقنعهم، ويحصل على تفويضهم الديمقراطي.
إذن، نحن لا نطلب من أحد أن يتخلى عن مشروعه - بل نقول له ببساطة:
احتفظ ببرنامجك لليوم الذي يصبح فيه الشعب الإرتري حراً في الاختيار، وساهم اليوم في بناء الطريق الذي سيجعل ذلك الاختيار ممكناً.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا ستخسر تنظيماتنا إذا أجلت برامجها؟
بل ربما يكون السؤال الأجدر: ماذا خسر الوطن طوال السنوات الماضية لأننا لم نفعل ذلك؟
وعليه، تعالوا نراجع كل تلك الأسئلة ثم ننتقل من تعدد البرامج إلى ميثاق وطني واحد
وربما يرد السؤال القائل: إذا أجلنا البرامج، فما الذي يحكمنا؟
هنا ينبغي الإجابة أن تكون: الانتقال من عشرات البرامج التنظيمية إلى ميثاق وطني جامع لمرحلة التغيير.
ميثاق لا يحدد شكل الاقتصاد الإرتري لعقود، ولا ينتصر لأيديولوجية بعينها، ولا يقرر نيابة عن الأجيال القادمة تفاصيل الدولة التي يريدونها - بل يجيب عن الحد الأدنى من الأسئلة التي لا يمكن إدارة التغيير من دون التوافق عليها:
كيف نُنهي الحكم الاستبدادي؟ كيف نحافظ على سيادة إرتريا ووحدة أراضيها؟ كيف نحمي مؤسسات الدولة والمجتمع من الفراغ؟
كيف ندير المرحلة الانتقالية؟ كيف نضمن الحقوق والحريات؟ كيف نتعامل مع (المؤسسة) العسكرية والأمنية وموظفي الدولة؟
كيف نهيئ لعودة اللاجئين؟ كيف نؤسس للعدالة الانتقالية دون الانتقام؟
وكيف نصل في نهاية المرحلة إلى دستور وانتخابات حرة يختار عبرها الشعب الإرتري حكامه؟
ذلك هو البرنامج الذي نحتاجه الآن.
ليس برنامج حزب، وإنما برنامج مرحلة.
وبجانب ذلك لا شك بأننا نحتاج إلى نظام أساسي واحد لإدارة مسيرة التغيير
ولا يكفي الميثاق السياسي وحده - فالميثاق يجيب عن سؤال: على ماذا اتفقنا؟
أما النظام الأساسي فيجيب عن السؤال الأصعب: كيف نعمل معاً؟
نحتاج إلى مرجعية تنظيمية واحدة تضبط المؤسسات، والصلاحيات، وآليات اتخاذ القرار، والعلاقة بين القيادة السياسية
والتنفيذية والتشريعية، وإدارة الموارد، والمساءلة، والعلاقات الخارجية، والإعلام، وحل النزاعات الداخلية.
فلا يمكن أن ندعو إلى دولة المؤسسات غداً بينما نعجز عن بناء مؤسسة وطنية مشتركة اليوم – كما ولا يمكن أن نطالب بمركزية قرار الدولة وسيادة القانون ثم ندير مقاومتنا بعشرات المراكز المستقلة للقرار - فالبديل الديمقراطي ينبغي أن يبدأ بالتدرب على الدولة قبل أن يصل إليها.
وهنا يجب أن نؤكد مرة أخرى – أنّ المطلوب ليس إلغاء التعدد… وإنما ترتيب زمنه
وهذه نقطة جوهرية - أنا لا أدعو إلى إلغاء الأحزاب - ولا إلى صهر الجميع قسراً في تنظيم عقائدي واحد - ولا إلى مصادرة حق الاختلاف، بل أدعو إلى إعادة ترتيب الزمن السياسي.
فاليوم: مرحلة تغيير وطني، تتطلب أكبر قدر ممكن من الوحدة ومركزية القرار والحد الأدنى الوطني المشترك.
وغداً، بعد فتح المجال الديمقراطي: مرحلة تعددية، تتطلب أكبر قدر ممكن من الحرية والتنافس والاختلاف البرامجي.
إن الخلط بين المرحلتين أضر بنا - فحاولنا ممارسة ديمقراطية التنافس قبل أن نبني قوة الانتقال إلى الديمقراطية.
والمطلوب الآن أن نصحح المعادلة: نتحد فيما لا يمكن إنجازه إلا معاً، ثم نختلف بحرية فيما يستطيع الشعب أن يحسمه بيننا.
فتعالوا ننتقل من الاعتراف إلى التصحيح
ليس الهدف من هذا المقال إصدار شهادة فشل بحق جيل سياسي كامل، ولا توزيع الاتهامات بين التنظيمات، ولا البحث عن مسؤول نحمله أوزار الجميع - فأنا جزء من هذه التجربة - وما أنتقده هنا كنت، بصورة أو بأخرى، جزءاً منه.
ولذلك فإنني حين أقول لقد أخفقنا، لا أقولها من منصة القاضي، وإنما من مقعد الشريك في المسؤولية - وهذا ما يجعل الاعتراف ضرورياً.
فالمصالحة الحقيقية مع النفس ليست أن نقنع أنفسنا بأننا فعلنا كل ما نستطيع، وإنما أن نمتلك الشجاعة لنقول إن بعض ما فعلناه لم يكن كافياً، وبعض ما اعتقدناه صحيحاً يحتاج إلى مراجعة، وبعض الأدوات التي ورثناها من الماضي لم تعد تصلح للحاضر.
والراحة مع الضمير لا تأتي من تبرئة الذات، بل من الاعتراف ثم محاولة التصحيح.. لقد مضت سنوات طويلة ونحن نبحث عن
وحدة المعارضة، وربما آن الأوان أن نعيد صياغة السؤال.
لسنا بحاجة إلى الوحدة من أجل الوحدة – إنما نحن بحاجة إلى بناء أداة وطنية قادرة على إدارة مرحلة التغيير.
والفرق كبير - فقد نستطيع جمع عشرات التنظيمات تحت اسم واحد ونظل عاجزين عن الفعل، إذا بقيت مراكز القرار متعددة، والمؤسسات ضعيفة، والثقة ناقصة، والبرامج المتنافسة حاضرة، والعلاقات الخارجية متفرقة – (وأعتقد هذا هو الذي كان حاصلا من قبل وما زال ماثلا أمامنا وبيننا) - فالوحدة التي نحتاجها ليست صورة جماعية، إنها وحدة وظيفة، وقرار ومؤسسة ومسؤولية.
وفي الختام اعتراف أخير..
بعد كل هذه السنوات، ربما تكون أشجع خطوة سياسية نستطيع القيام بها ليست تأسيس تنظيم جديد، ولا كتابة برنامج جديد، ولا إضافة مظلة جديدة إلى المظلات القائمة.
ربما تكون الخطوة الأشجع هي أن نتوقف قليلًا أمام تجربتنا ونقول:
نعم، أخفقنا حتى الآن في إدارة مرحلة التغيير...أخفقنا لأننا لم نميز بما يكفي بين مرحلة التغيير ومرحلة الحكم.
وأخفقنا حين حملنا تعدد المستقبل إلى معركة الحاضر...وأخفقنا حين تنافسنا على برامج لم يحن بعد وقت عرضها على الشعب.
وأخفقنا حين تعددت مراكز قرارنا أكثر مما توحدت إرادتنا.
لكن الاعتراف بالفشل لا يعني إعلان الهزيمة - بل قد يكون اللحظة التي يبدأ عندها التصحيح - ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يوضع اليوم أمام كل جبهة وتنظيم وحزب وقيادة سياسية إرترية ليس:
ما موقعنا في البديل القادم؟
بل: ما الذي يجب أن نتنازل عنه مؤقتاً، وما الذي يجب أن نؤجله، وما الذي يجب أن نوحده اليوم، حتى يصبح وجود البديل الوطني نفسه ممكناً؟
وحين نجيب عن هذا الأسئلة بصدق، ربما نكون قد انتقلنا أخيراً من مرحلة معارضة أو مقاومة النظام إلى مرحلة الاستعداد الحقيقي لتغييره.
فالتاريخ لن يسألنا فقط: هل قاومتم الاستبداد؟
بل سيسألنا أيضاً: حين عرفتم أن بلادكم تحتاج إلى بديل وطني قادر… هل استطعتم أن تتجاوزوا أنفسكم لتبنوه؟
وتلك، في تقديري، هي المساءلة التي ينبغي أن نستعد لها أمام الشعب، وأمام الشهداء، وأمام الأجيال القادمة، وقبل ذلك كله… أمام ضمائرنا.
صلاح علي أحمد
ادعم Eri Meeting Point
ساعد في إبقاء الإعلام المستقل حياً




